آخر المواضيع

الخميس، 23 ديسمبر، 2010

كتاب الجاحظ (الحيوان )

بسمِ الْلَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  وعلى آله وصحبه.
أما بعد..


دعونا نبحر في عالم كتاب الجاحظ ــ الحيوان ــ وهو عبارة عن مجلدين  يحويان 1205 صفحةوسنستعرض قدر مانستطيع من قصص ومعلومات
وأحداث في زمن الجاحظ والتي وثقها في أيامه.
 أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الملقب بالجاحظ (لجحوظ في عينيه).ولد بالبصرة عام 160ه/775م وتوفاه الله فيها عام 255ه/869م.
في الكتاب بعض المعاني صعبة الفهم وهنا الكلمات الحمراء تفسر المعنى مستعينا بشرح وتحقيق الدكتور يحيى الشامي , دار ومكتبة الهلال الطبعة الأولى 1986 بيروت.
 هنا بعض ما أسرده في كتابه
 عليك إلتزام الصبر والتركيز في القراءة وحاول أن لا يصيبك الملل فالمعلومات مفيدةومهمة لمن يهوى هذا النوع من الكتب

... بسم الله نبدأ...

أقسام الكائنات:


وأقولِ: إنّ العالَم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء: متفق، ومختلف، ومتضاد؛ وكلها في جملةِ القول جمادونامٍ،
وكان حقيقة القولِ في الأجسام من هذه القسمة، أن يقال: نامٍ وغير نام، ولو أنَّ الحكماءَ وضعوا لكلِّ ما ليس بنامٍ
اسماً، كما وضعوا للنامي اسماً، لاتبعنا أَثرهم وإنما ننتهي إلى حيث انتهوا، وما أكثر ما تكون دلالة قولهم جماد،
كدلالةِ قولهم موات، وقد يفترِقان في مواضع بعض الافتراق، وإذا أخرجت من العالَمِ الأفلاك والبروج والنجوم
والشمس والقمر، وجدتها غير نامية، ولم تجدهم يسمون شيئاً منها بجماد ولا موات، وليس لأنها تتحرك من تلقاءِ
أنفسِها لم تسم مواتاً ولا جماداً، وناس يجعلونها مدبرةً غير مدبرة، ويجعلونها
مسخرَةً
غير مسخرة، ويجعلونهاأحياءًمن
الحيوان؛ إذْ كان الحيوان إنما يحيا بإحيائها له، وبما تعطيه وتعيره، وإنما هذا منهم رأي، والأُمم في هذا كله على
خلافهم، ونحن في هذا الموضعِ إنما نعبر عن ُلغتنا، وليس في ُلغتنا إلاّ ما ذكرنا.
والناس يسمون الأرض جماداً، وربما يجعلونها مواتاً إذا كانت لم تنبت قديماً، وهي موات الأرض، وذلك كقولهم:
من أحيا أَرضاً مواتاً فهي له.
وهم لا يجعلون الماء والنار والهواءَ، جماداً ولا مواتاً، ولا يسمونها حيواناً ما دامت كذلك، وإن كانت لا تضاف إلى
النماء والحس.
والأرض هي أحد الأركانِ الأربعة، التي هي الماءُ والأرض والهواءُ والنار، والاسمانِ لا يتعاورانِ عندهم إلاّ الأرض.


تقسيم النامي:
 
ثمَّ النامي على قسمين: حيوان ونبات، والحيوان على أربعة أقسام: شيءٌ يمشي، وشيء يطير، وشيء يسبح، وشيءٌ
ينساح، إلاّ أنّ كلَّ طائرٍ يمشي، وليس الذي يمشي ولا يطير يسمى طائراً، والنوع الذي يمشي على أربعةِ أقسام:
ناس، وبهائم، وسباع، وحشرات، على أنّ الحشراتِ راجعةٌ في المعنى إلى مشاكلةِ(مماثلة) طباع البهائمِ والسباع، إلاّ أننا في
هذا كله نتبع الأسماءَ القائمة المعروفة، البائنات بأنفسها، المتميزاتِ عند سامعيها، من أهلِ هذه اللغةِ وأصحاب هذا
اللسان، وإنما نفرِد ما أفردوا، ونجمع ما جمعوا.


تقسيم الطير:
 
والطير كلٌّ سبعٍ وبهيمة وهمج(نوع من البعوض أو الذباب)، والسباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق والأحرار والجوارح، ومنهاالبغاث. 
وهو كلُّ ما عظم من الطير: سبعاً كان أو بهيمة، إذا لم يكن من ذواتِ السلاحِ والمخالبِ المعقفة، كالنسورِ والرخم
والغربان، وما أشبهها من لئامِ السباع، ثم الخشاش(الصغير من الطير والدواب), وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه، وكان عديم السلاح ولا
يكون كالزرقِ(نوع من الصقور) واليؤيؤ(طائر يشبه الباشق)(؟؟).
فأما الهمج فليس من الطير، ولكنه مما يطير، والهمج فيما يطير، كالحشراتِ فيما يمشي،
والحيات من الحشرات، وأي سبع أَدخل في معنى السبعية من الأفاعي والثعابين؟ ولكن ليس ذلك من أسمائها، وإن
كانت من ذوات الأنيابِ وأكالة اللحوم وأعداء الإنسِ وجميعِ البهائم، ولذلك تأكلها الأوعال والخنازير والقنافذ
والعقبان والشاهمرك(فارسية أي ملك الطيور) والسنانير، وغير ذلك من البهائم، والسباع، فمن جعلَ الحياتِ سباعاً، وسماها بذلك عند بعضِ القولِ والسببِ فقد أصاب، ومن جعلَ ذلك لها كالاسمِ الذي هو العلامة كالكلبِ والذئب والأسد فقد
أخطأ.
ومن سباعِ الطيرِ شكلٌ يكون سلاحه المخالب كالعقابِ وما أشبهها، وشيءٌ يكون سلاحه المناقير كالنسورِ والرخمِ
والغربان، وإنما جعلناها سباعاً لأنها أكالة لحوم.
ومن بهائم الطير ما يكون سلاحه المناقير كالكراكي وما أشبهها، ومنه ما يكون سلاحه الأسنانَ كالبومِ والوطواطِ
وما أشبهها، ومنه ما يكون سلاحه الصياصي(الشوكة في قوائم الطير) كالديكة، ومنه ما يكون سلاحه السلح كالحباري والثعلب أيضاً كذلك.
والبادنجان(؟)

والسبع من الطير: ما أكل اللحم خالصاً، والبهيمة: ما أكلت الحب خالصاً، وفي الفن الذي يجمعها من الخلقِ
المركبِ والطبع المشترك، كلام سنأتي عليه في موضعه إن شاء اللّه تعالى، والمشترك عندهم كالعصفور؛ فإنه ليس
بذي مخلبٍ معقف ولا منسر وهو يلقط الحب، وهو مع هذا يصيد النمل إذا طار، ويصيد الجراد، ويأْكل اللحم،
ولا يزق فراخه كما تزق الحمام، بل يلقمها كماتلقم السباع من الطير فراخها، وأشباه العصافيرِ من المشترك كثير،
وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
وليس كلُّ ما طار بجناحينِ فهو من الطير؛ قد يطير الجعلاَن والجحلِ واليعاسيب والذباب والزنابير والجراد والنمل
والفراش والبعوض والأرضة والنحل وغير ذلك، ولا يسمى بالطير، وقد يقال ذلك لها عند بعض الذكرِ والسبب،
وقد يسمون الدجاج طيراً ولا يسمون بذلك الجراد، والجراد  أَطير، والمثل المضروب به أشهر، والملائكة تطير، ولها
أجنحةٌ وليست من الطير، وجعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، وليس جعفر من الطير.
واسم طائرٍ يقع على ثلاثة أشياء: صورة، وطبيعة، وجناح، وليس بالريشِ والقوادمِ والأباهرِ(أبهر, عرق صلب) والخوافي، يسمى طائراً،
ولا بعدمه يسقط ذلك عنه، ألا ترى أنَّ الخفاش والوطواطَ من الطير، وإن كانا أمرطينِ ليس لهما ريش ولا زغب
ولا شكير(ماينبت من الشعر) ولا قصب وهما مشهورانِ بالحمل والولادة، وبالرضاع، وبظهور حجم الآذان، وبكثرة الأسنان، والنعامة
ذات ريشٍ ومنقارِ وبيضٍ وجناحين، وليست من الطير.
وليس أيضاً كلُّ عائمٍ سمكة، وإن كان مناسباً للسمك في كثير من معانيه، ألا ترى أنّ في الماء كَلْب الماء، وعنز الماء،
وخترير الماء؛ وفيه الرق(نوع من الزواحف يشبه التمساح) والسلحفاة، وفيه الضفدع وفيه السرطان،
والبينيب (نوع من السمك)، والتمساح والدخس(نوع من السمك) والدلفين واللخم(سمك القرش)
والبنبك(
نوع من السمك)، وغير ذلك من الأصناف، والكوسج(؟) والد اللخم، وليس للكوسج أب يعرف، وعامة ذا يعيش في الماء،
ويبيت خارجاً من الماء، ويبيض في الشطِّ ويبيض بيضاً له صفرةٌ، وقيض وغرقئٌ، وهو مع ذلك مما يكون في الماء مع
السمك.


 مطر الضفادع والشبابيط:
 
وزعم  حريثٌ أنه كان بأيذج(إسم بلدة)، فإذا سحابة دهماء طخياء تكاد تمس الأرض، وتكاد تمس قمم رؤوسهم، وأنهم سمعوا
فيها كأصوات المجانيق، وكهدير الفحول في الأشوال، ثم إنها دفعت بأشد مطر  رؤي أو سمع به، حتى استسلموا
للغرق، ثمَّ اندفعت بالضفادع العظام، ثم اندفعت بالشبابيط(نوع من السمك) السمان الخدال فطبخوا واشتووا، وملحوا وادخروا.


 زعم في الإبل:
 
والناس يقولون في الإبل أقاويلَ عجيبةً: فمنهم من يزعم أن فيها عرقاً من سفاد(سفد،تزاوج) الجن، وذهبوا إلى الحديث: أم إنما
كرهوا الصلاة في أعطان(مواطن الإبل) الإبل لأنها  خلقت من أعناق الشياطين فجعلوا المثل والمجاز على غير جهته،


وقال ابن ميادة:


فلما أتاني ما تقول محارِب                      تغنَّتْ شياطين وجن جنونها

قال الأصمعي المأثور من السيوف الذي يقال: إنّ الجن عملته.
وهم يسمون الكبر والخنزوانةَ والنعرة التي تضاف إلى أنف المتكبر شيطاناً، قال عمر: حتى أنزع شيطانه، كما قال:
حتى أنزع النعرة التي في أنفه، ويسمون الحية إذا كانت داهية منها شيطاناً، وهو قولهم: شيطان الحماطة 

                                             

قال الشاعر:

تعالج مثنى حضرمي كأنه               َتعمج(إلتوى) َ شيطانٍ بذي خروعٍ َقفْرِ

شبه الزمام بالحية، وعلى مثل ذلك قال الشاعر:

 شناحية فيها شناح كأنها                                       (الإبل الطويلة)       
           حباب بكف الشأو من أسطع حشر
                                                                                            

والحباب: الحية الذكر، وكذلك الأيم، وقد نهي عن الصلاةِ عند غيبوبة الشمس، وعند طلوع القرص إلى أن يتتام
ذلك، وفي الحديث: إنها تطلع بين قرني شيطان.

الإبل الوحشية:
 
وزعم ناس أنَّ من الإبل وحشيا وكذلك الخيل، وقاسوا ذلك على الحمير والسنانير والحمام وغيرِ ذلك، فزعموا أنَّ
تلك الإبلَ تسكن
أرض وبارِ، لأنها غير مسكونة، ولأنَّ الحيوانَ كلما اشتدت وحشيته كان للخلاء أطلب، قالوا:
وربما خرج الجمل منها لبعضِ ما يعرِض، فيضرب في أدنى هجمةٍ من الإبل الأهلية، قالوا:
فالْمهرِية من ذلك النتاج.


وقال آخرون: هذه الإبل الوحشية هي الحوش، وهي التي من بقايا
إبل وبار، فلما أهلكهم اللّه تعالى كما أهلك
الأمم مثلَ
عادٍ وثمود والعمالقة وطسمٍ وجديس وجاسم، بقيت إبلهم في أماكنهم التي لا يطردها إنسي فإن سقطَ إلى
تلك الجيزة بعض الخلعاء، أَو بعض من أضلَّ الطريق حثت الجن في وجهه، فإنْ ألحَّ خبلته، فضربت هذه الحوش في
العمانية ، فجاءت هذه المَهرِية، وهذه العسجدية التي تسمى الذهبية.

 
وأنشدني سعدان المكفوف عن أبي العميثل قول الراجز:



ما ذم إبلي عجم ولا عرب
                 جلودها مثلُ طواويسِ الذهب 



  
تأويل الآية الكريمة: "ويخلق ما لا تعلمون".

وقد قال تعالى: "
ويخلق ما لاَ تعلمونَ"، وقد يتجه هذا الكلام في وجوه: أحدها أنْ تكون ها هنا ضروب من الخلق
لا يعلم بمكام كثير من الناس، ولابد أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه، أو يعلمه صفوة جنودِ الله وملائكته، أو
تعرِفه الأنبياء، أو يعرِفه بعض الناس، لايجوز إلاّ ذلك، أو يكون الله عز وجلَّ إنما عنى أنه خلق أسباباً، ووهب عللاً،
وجعل ذلك رفداً لما يظهر لنا ونظاماً، وكان بعض المفسرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله:

"ويخلق ما لا تعلمون"  
 فليوقد ناراً في وسط غيضه، أو في صحراء برية ثمّ ينظر إلى ما يغشى النار من أصناف الخلق من الحشرات
والهمج فإنه سيرى  صوراً، ويتعرف خلقاً لم يكن يظن أنَّ الله تعالى خلق شيئاً من ذلك العالم، وعلى أنَّ الخلق الذي
يغشى ناره يختلف على قدر اختلافِ مواضعِ الغياض والبحار والجبال، ويعلم أنَّ ما لم يبلغه أكثر وأعجب، وما أرد
هذا التأويل، وإنه ليدخل عندي في جملةِ ما تدلُّ عليه الآية، ومن لَم يقل ذلك لم يفهم عن ربه ولم يفقَه في دينه. 


حصول الخلد على رزقه:
 
وأي شيء أعجب من الخلد وكيف يأتيه رزقه، وكيف يهيئ الله له ما يقوته وهو أعمى لا يبصر، وأصم لا يسمع،
وبليد لا يتصرف، وأبله لا يعرِف، ومع ذلك أنه لا يجوز باب جحره، ولا يتكلف سوى ما يجلب إليه رازقه ورازق
غيره، وأي شيءٍ أعجب من طائرٍ ليس له رزقُ إلاَّ أن يخلل أسنانَ التمساح، ويكون ذلك له.



الطائران العجيبان:
 
وأي شيءٍ أعجب من طائرين، يراهما الناس من أدنى جدود البحر من شق البصرة، إلى غاية البحر من شق السند،
أحدهما كبير الجثة يرتفع في الهواء صعداً، والآخر صغير الجثةِ يتقلب عليه ويعبث به، فلا يزال مرةً يرفرف حوله
ويرتقي على رأسه، ومرةً يطير عند ُ ذناباه، ويدخل تحت جناحه ويخرج من بينِ رجليه، فلا يزال يغمه ويكربه حتى
يتقيه بذرقهِ، فإذا ذرق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه دحا به في بئر، وحتى كأنَّ ذرقه مدحاةٌ بيد
ُأسوار، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقي، وفي معرفته أنه لا رزق له إلاّ الذي في ذلك المكان؛ ولا الكبير يخطئ
التسديد، ويعلم أنه لا ينجيه منه إلا أنْ يتقيه بذرقه، فإذا أوعى ذلك الذرق، واستوفى ذلك الرزق، رجع شبعانَ
ريانَ بقوتِ يومه، ومضى الطائر الكبير لطيته، وأمرهما مشهور وشأما ظاهر، لا يمكن دُفعه ولاتهمة المخبِرين عنه.



 خصائص الأفعى:
 
والأفعى لا تدور عينها في رأسها، وهي تلد وتبيض، وذلك أنها إذا طرقت ببيضها تحطم في جوفها، فترمي بفراخها
أولاداً، حتى كأنها من الحيوان الذي يلد حيواناً مثله،وفي الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كلُّ ودج،
فتبقى كذلك أياما لا تموت، وأمر ت الحاوي فقبض على خرزة عنقها، فقلت له: اقبضها من الخرزة التي تليها قبضاً
رفيقاً، فما فتح بينها بقدر سم الإبرة حتى بردت ميتة، وزعم أنه قد ذبح غيرها من الحياتِ فعاشت على شبيهٍ
بذلك، ثمَّ إنه فصلَ تلك الخرزة على مثالِ ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطرف.
قوة بدن الممسوح وكلُّ شيءٍ ممسوحِ البدن، ليس بذي أيدٍ ولا أرجل، فإنه يكون شديد البدن، كالسمكة والحية.
حديث في سم الأفعى وزعم أحمد بن غالب قال:

باعني حواءٌ ثلاثين أفعى بدينارين، وأهدي إليَّ خمساً اصطادها من
ُقبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئِ دجلة، قال: وأردتها للترياق، قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من
يعالجها؟ قال: فقلت له: فلان الصيدلانيّ، فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها ويسلخها؟ قال: قلت:
هذا الصيدلانيُّ بعينه، قال: أخاف أن يكون مغروراً من نفسه، إنه واللّه إن أخطأَ موضع المفصِل من قفاه، وحركته
أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن ولا يدري كيف يتغفله، فينقره نقرةً، لَم يفلِح بعدها أَبداً، ولكني سأَتطوع لك 

بأَنْ أعمل ذلك بين يديه، قال: فبعثت إليه، وكان رأسه إلى الجونة، فيغفل الواحدةَ فيقبض على قفاها بأسرع من
الطرفِ، ثمَّ يذبحها، فإذا ذبحها سال من أفواهها ُلعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل قال: فجالت يده
جولةً، وقطرت من ذلك اللعاب قطرةٌ على طرف قميصِ الصيدلانيِّ، قال: فتفشى ذلك القاطر حتى صار في قدر
الدرهم العظيم، ثم إنّ الحواء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، وبقيت الأفاعي مذَبحة تجول في الطست ويكدم
بعضها بعضاً، حتى أمسينا، قال: وبكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدثه بالحديث، فقال لي وددت أني رأيت
موضع القطرة من قميص الصيدلاني قال: فواللّه مارمت حتى مر معي إلى الصيدلانيِّ، فأَريته موضعه، وأصحابنا
يزعمون أنَّ لعاب الأَفاعي لا يعمل في الدم، إلاَأنّ أَحمد ابن المثنى زعم أنّ من الأفاعي جنساً لا يضر الفراريج من
بينِ الأشياء، ولا أدري أَي الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة الفروجِ على
الأَفعى 

ما تضيء عينه من الحيوان وزعم محمد بن الجهم أنّ العيون التي تضيء بالليل كأَنها مصابح، عيون الأسد
والنمورِ، والسنانيرِ والأفاعي، فبينما نحن عنده إذْ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سِجستان، ويعمل
الترياقات، ويبيعها أحياءً ومقتولة، فقال له: حدثهم بالذي حدثتني به من عين الأفعى، قال: نعم، كنت في منزِلِي
نائماً في ظلمة، وقد كنت جمعت رؤوس أفَاع كن عندي، لأرمي بها، وأغفلت تحت السرير رأساً واحداً، ففتحت
عيني تجَاه السريرِ في الظلمةِ، فرأيت ضياءً إلاَّ أنه ضئيلٌ ضعيف رقيق، فقلت: عين غولٍ أو بعضِ أولاءِ السعالى،
وذهبت نفسي في ألوانٍ من المعاني، فقمت فقدحت ناراً، وأخذت المصباح معي، ومضيت نحو السرير فلم أَجد تحته
إلاَّ رأس أفعى، فأطفأت السراج ونمت وفتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي
الأول، حتى فعلت ذلك مِراراً، قال: فقلت آخر مرة: ما أرى شيئاً إلاَّ رأس أفعى، فلو نحَّيته فنحيته وأطفأت
السراج، ثمّ رجعت إلى منامي، ففتحت عيني فلم أ ر الضوء، فعلمت أنه من عين الأفعى، ثمَّ سألت عن ذلك، فإذا
الأمر حق، وإذا هو مشهور في أهل هذه الصناعة علة 



النمس والثعابين:
 
ثمّ قد يزعمون أنَّ بمصر دويبةً يقال لها النمس يتخذها الناطور إذا اشتد خوفه مِن الثعابين؛ لأنَّ هذه الدابةَ تنقبض
وتنضم، تتضال وتستدق، حتى كأَنها ُقديدة أو قطعُة حبل، فإذا عضها الثعبان وانطوى عليها زفرت، وأخذَت بنفسها وزخرت جوفها فانتفخ، فتفعل ذلك وقد انطوى عليها، فتقطعه قطعاً من شدةِ الزخرة، وهذا من أعجب
الأحاديث.



القواتل من الحيات:
 
والثعابين إحدى القواتلِ، ويزعمون أنها ثلاثة أجناسٍ لا ينجع فيها  رقيةٌ ولا حيلة، كالثعبان، والأفعى، والهندية،
ويقال: إنَّ ما سواها فإنما يقتل مع ما يمدها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارنَ سمها؟ وسمها إنْ
لم يقتلْ أمرض.
ما يفعل الفزع في المسموم, ويزعمون أنَّ رجلاً قال تحت شجرةٍ، فتدلت عليه حيةٌ منها فعضت رأسه، فانتبه محمرالوجهِ، فحك رأسه، وتلفت، فلم ير شيئاً، فوضع رأسه ينام، وأقام مدةً طويلةً لا يرى بأساً، فقال له بعض من كان
رأى تدليها عليه ثمّ تقلصها عنه وهروبها منه: هل علمت من أي شيءٍ كان انتباهك تحت الشجرة؟ قال: لا واللّه،
ما علمت، قال: بلى، فإنَّ الحيةَ الفلانية نزلت عليك حتى عضت رأسك، فلما جلست فزعاً تقلصت عنك
وتراجعت، ففزع فزعةً وصرخ صرخةً كانت فيها نفسه، وكأم توهموا أنه لما فزع واضطرب، وقد كان ذلك
السم مغموراً ممنوعاً فزال مانعه، وأوغله ذلك الفزع، حين تفتحت منافسه، إلى موضع الصميم والدماغِ وعمقِ
البدن، فانحلَّ موضع العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه وأخلاطه.




طول عمر الحية:
 
وتقول الأعراب: إنَّ الحيةَ أطول عمرا من النسر، وإن الناس لم يجدوا حيةً قطُّ ماتت حتف أنفها، وإنما تموت بالأمر
يعرض لها، وذلك لأمور؛ منها قولهم: إنَّ فيها شياطين، وإنَّ فيها من مسخ، وإنّ إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى
حواء من جوفها.
زعم الفضل بن إسحاق.
وزعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخانِ، وأنّ طولَ ُ كلِّ نخ تسعةَ عشر ذراعاً.




الدساس وعلة اختصاصه بالذكر:
 
ولو كانت الدساس من أصناف الحيات لم نخصها من بينها بالذكر، ولكنها وإن كانت على قالب الحيات وخرطها،
وأفرغت كإفراغها وعلى عمود  صورها، فخصائصها دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفاث والعربد، وليسا
من الحيات، كما أن هذا ليس من الحيات، لأنّ الدساس ممسوحة الأذن، وهي مع ذلك مما يلد ولا يبيض، والمعروف
في ذلك أنّ الولادة هي في الأشرف، والبيض في الممسوح.
وقد زعم ناس أنّ الولادة لا تخرج الدساس من اسم الحية، كما أن الولادة لا تخرج الخفاش من اسم الطير.
وكلّ ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدجاج فإنه فروج.
والأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضب , تبيض كلها، ويسمى ولدها بالاسم الأعم فرخاً.
وزعم لي ابن أبي العجوز، أنّ الدساس تلد، وكذلك خبرني به محمد بن أيوب ابن جعفر عن أبيه، وخبرني به الفضل
بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن العلم.
وقد زعموا بهذا الإسناد أنّ الأروية تضع مع كلِّ ولد وضعته أفعى في مشيمةٍ واحدة.
وقال الآخرون: الأروية لا تعرف بهذا المعنى، ولكنه ليس في الأرض نمرة إلا وهي تضع ولدها وفي عنقه أفعى في
مكان الطوق، وذكروا أنها تنهش وتعض، ولا تقتل.
ولم أكتب هذا لتقر بهِ، ولكنها رواية أحببت أن تسمعها، ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار
له، ولكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل.



تزاوج الجن والإنس:


ويقولون: تزوج عمرو بن يربوعٍ السعلاة، وقال الراجز:

يا قاتلَ الّله بني السعلاةِ
                عمرو بن يربوعٍ شرار الناتِ

وفي تلون الغول يقول عباس بن مرداسٍ السلَمي: 

أصابت العام رعلاً غولُ قومهم
             وسط البيوتِ ولون الغولِ ألوان




وهم يتأولون قوله عز ذكره: "وشارِكهم في الأََموالِ والأَولاَد"ِ.
وقوله عز وجل: "
لَم يطمثْهن إنس قبلَهم ولا جانٌّ"، قالوا: فلو كان الجانّ لم يصب منهن قطّ، ولم يأتهن، ولا كان
ذلك مما يجوز بين الجن وبين النساء الآدميات - لم يقل ذلك.

 والأعراب يتزيدون في هذا الباب، وأشباه الأعراب يغلطون فيه، وبعض أصحابِ التأويل يجوز في هذا الباب ما لا
يجوز فيه، وقد قلنا في ذلك في كتاب النبوات بما هو كافٍ إن شاء اللّه تعالى.




أخبار وطرف تتعلق بالجن:

وقال ابن الأعرابي: وعدت أعرابيةٌ أعرابياً أن يأتيها، فكمن في  عشرةٍ كانت بقربهم، فنظر الزوج فرأى شبحاً في
العشرةَ، فقال لامرأته: يا هنتاه إنّ إنساناً لَيطالعنا من العشرة قالت: مه يا شيخ، ذاك جانُّ العشرة إليك عني وعن
ولدي قال الشيخ: وعني يرحمك اللّه قالت: وعن أبيهم إن هو غطى رأسه ورقد، قال: ونام الشيخ، وجاء الأعرابي
فسفع برجليها ثمّ أعطاها حتى رضيت.
وروى عن محمد بن الحسن، عن مجالد أو عن غيره وقال: كنا عند الشعبي  جلوساً، فمر حمالٌ على ظهره دنّ خلٍّ،
فلما رأى الشعبي وضع الدنّ وقال للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه.

وأبو الحسن عن أبي إسحاق المالكي قال: قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد اللّه بن هلال صديق
إبليس، أنك تشبه إبليس قال: وما ينكر أنْ يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن.

وروى الهيثم عن داود بن أبي هند،
قال: سئل الشعبي عن لحم الفيل، فتلا قولَه عز ذكره
:

"قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير" إلى آخر الآية
، و  سئل عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف،
فقال له قائل: ما تقول في الذبان؟ قال: إن اشتهيته فكلْ .

وأنشدوا قول أعرابي لامرأته:


ألا تمـوتـين إنا  نبتـغي  بدلا                      إن اللواتي يموتن الميامين
أم أنت لازلتِ في الدنيا معمرةً                      كما يعمر إبليس الشياطين 

جبل الجن:
وقال ابن الأعرابي: قال لي أعرابي مرة من غني وقد نزلت به، قال: وهو أخف ما نزلت به و أطيبه، فقلت: ما أطيب
ماءكم هذا، وأعذى منزلكم قال: نعم وهو بعيد من الخير كله، بعيد من العراق واليمامة والحجاز، كثير الحيات،
كثير الجنان فقلت: أترونَ الجن؟ قال: نعم مكانهم في هذا الجبل - وأشار بيدهِ إلى جبل يقال لهسواج قال: ثمَّ
حدثني بأشياء.



مواضع الجن:

وكما يقولون: قنفذ برقة، وضب سحاً، وأرنب الخلة، وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ليست كذلك إما في
السمن، وإما في الخبث، وإما في القوة - فكذلك أيضاً يفرقون بين مواضع الجن، فإذا نسبوا الشكل منها إلى موضعٍ
معروف، فقد خصوه من الخبث و القوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم، قال لبيد:



غلب َتشذر بالذحولِ كأنها
                 جن البدي رواسياً أقدا مه
 

وقال النابغة:

سهكين مِن صدإ الحديدِ كأنَّهم                      تحت السَنورِ جِنَّةُ البّقارِ 

وقال زهير:


عليهن فتيان كجنةِ عبقرٍ
          جديرون يوماً أن ينيفوا فيستعلوا

ولذلك قيل لكلِّ شيء فائق، أو شديدٍ: عبقري.


ثمَّ يترلون الجن في مراتب، فإذا ذكروا الْجِني سالماً قالوا: جني، فإذا أرادوا أنه ممن سكن مع الناس قالوا: عامر،
والجميع  عمار، وإنْ كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح، فإن خبث أحدهم وتعرم فهو شيطان، فإذا زاد على ذلك
فهو مارد، قال اللّه عز ذكره:
"وحِفْظاً مِن كلِّ شيطانٍ ماردفإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت، والجميع
عفاريت،قال اللّه تعالى
:

"قال عفْريت من الْجن أنا آتيك بهِ قبلَ أنْ تقوم من مقامِك".

وهم في الجملة جن وخوافي، قال الشاعر




ولا يحس سوى الخافي بها أثر.



                                            إنتهى

أرجوا أن أكون قد أضفت لكم شيئا مفيدا من عالم وأدبيات الجاحظ
  الكتاب مفيد ومهم  وقد إختصرت ما أستطعت منه ..... تحياتي

 


 

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة