آخر المواضيع

الأربعاء، 23 فبراير، 2011

إرادة الحياة







إرادة الحياة من أشهر قصائد  أبي القاسم الشابّي الذي توفي وهو في ريعان شبابه 
في تونس الخضراء ، ولد عام 1909 في بلدة { الشابية } وكانت نسبته إليها 
وفيها دفن   ، خلف قصائد خالدة عن الحياة والجمال والطبيعة والإرادة ، ولم تخلو قصائده من
الشجون والعاطفة والحزن العميق وإن غلبت على شعره الكثير من الكآبة  التي تنتاب الشاعر.
 


 قصيدة إرادة الحياة والتي صارت شعار كل مكافح ومكابد خطوب الحياة المختلفة ، القصيدة التي تمثل وحي حماسي لكل شباب  الوطن العربي .ورغم أن بها نظر شرعي حيث كان مطلعها إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر؟!!
فالخطأ هنا ، فالقدر لا يستجيب لإرادة الناس فهذا إنحراف كبير فعلينا أن نرضى بالقضاء والقدر مهما كان خيره وشره ، فمهما فعلت الشعوب فلن تستطيع تغيير القدر الذي هو واقع لا محاله ، فالشابي وهو الذي تربى في بيئة متدينه ومتعلمة أعتقد كان يدرك ذلك تماما  والله أعلم مافي الصدور . رحم الله أبو القاسم الشابي.

إرادة الحياة (16 سبتمبر 1933)
  
إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

        وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْــجَلِــي  وَلا بُدَّ للقَيْـــدِ أَنْ يَـنْكَسِـــر      


وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر


  كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ وَحَدّثَــنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِــر

وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر


إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر


وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر


وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

  وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ - لَمَّا سَأَلْتُ : " أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَــر؟"

    أُبَــارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ وَمَنْ يَسْتَــلِـذُّ رُكُــوبَ الخَطَــــر     


وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر

  هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ وَيَحْتَقِـــرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُـــر   


فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

  وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم لَمَا ضَمَّــتِ المَيْــتَ تِلْكَ الحُفَـر    


فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"

وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر    



سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر

  سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيــعَ العُمُـر؟  


فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر

وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر


يَجِيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ شِــتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـــر

فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر


وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر

    وَتَهْـــوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا وَأَزْهَـارُ عَهْـــدٍ حَبِيبٍ نَضِــــر       


وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَـر

   وَيَفْنَــــى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَــــر    


  وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ ذَخِيـرَةَ عُمْـــرٍ جَمِـيلٍ غَـبَــر

وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر


مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر

لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر

    وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْــمِ الثَّمَـر      


  وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ حَتَّـى نَمَــا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـــر

   فصدّعت الأرض من فوقـها وأبصرت الكون عذب الصور


وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر

وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه تعيد الشباب الذي قد غبـر


وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر

وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر


ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر

إليكِ الفضاء ، إليك الضيـاء إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر


إليكِ الجمال الذي لا يبيـدُ إليكِ الوجود الرحيب النــضِر

فميدي كما شئتِ فوق الحقول بِحلو الثمار وغـضّ الزهـر


وناجي النسيمَ وناجي الغيـومَ وناجي النجوم وناجي القمـر

  وناجـي الحيـاةَ وأشواقـها وفـــتنـةَ هـــذا الوجـود الأغــــــر    


وشفّ الدجى عن جمال عميقٍ يشبٌ الخيـال ويُذكي الفِكـر

ومُــــدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَــــدِر   


وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء وَضَاعَ البَخُورُ ، بَخُورُ الزَّهَر

  وَرَفْـــــرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ بِأَجْـنِحَـةٍ مِـــنْ ضِيَاءِ الْــــقَمَـر   


وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ في هَــيْكَـلٍ حَــالِمٍ قَـدْ سُـحِــر

وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
  
إِذَا طَــــمَـــــحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُـــــوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَــــــدَرْ  

  

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة